القاضي التنوخي

150

الفرج بعد الشدة

قال : كنت أقيم خبر المحبسين « 3 » في المطبق بمدينة السّلام ، في أيّام المقتدر باللّه ، فرأيت في المطبق « 4 » رجلا مغلولا « 5 » ، على ظهره لبنة من حديد ، فيها ستّون رطلا ، فسألته عن قصّته ، فقال : أنا واللّه مظلوم . فقلت له : كيف كان أمرك ؟ قال : كنت ليلة من الليالي ، في دعوة صديق لي بسوق يحيى « 6 » ، فخرجت من عنده مغلّسا ، وفي الوقت فضل وأنا لا أعلم ، فلمّا صرت في قطعة من الشارع ، فإذا مشاعل الطائف « 7 » ، فرهبته ، ولم أدر ما أعمل ، فرأيت شريجة « 8 » مشوّشة ،

--> وإن تناول أجرته ، ومن أراد الخصام ، وإبطال الحقوق ، مذموم ، ومن حقّهم التفهيم عن الموكّل ، ومعرفة الواقعة ، والحقّ ، في أيّ الطرفين ، فلا يتوكّل على المحقّ معتذرا بأنّه وكيل ، ولا يبدي من الحجّة ، إلّا ما يعرفه حقّا ، أو يقوله الموكّل ، وهو يجهل الحال ، فيعتمد عليه ، فإن علمه باطلا ، وأدلى به ، فهو في جهنّم . ( 3 ) يختار صاحب خبر المحبسين ، من الأخيار ، ويعهد إليه أن يدخل الحبوس ، ويتفقّد أحوال المحبوسين ، ويرفع خبرهم إلى الوزير ، من أجل رفع الظلامات عن المظلومين منهم ، راجع الملح والنوادر للحصري 134 و 135 . ( 4 ) المطبق : الطبق : الغطاء ، وأمّ طبق : الداهية ، وبنت طبق : الحيّة ، والمطبق : السجن تحت الأرض ، سمّي بذلك لأنّه يطبّق على المسجون فيحول بينه وبين رؤية الضوء ويتركه في ظلام دامس وعزلة موحشة ، ويعدّ للمساجين السياسيّين ، ويكون عادة شديد الظلمة ، سيّئ التهوية ، لا ينفذ إليه النور ، ومن مكث فيه زمنا ، انطفأ بصره ، وقد وصف يعقوب بن داود ، وزير المهديّ المطبق الذي حبسه فيه المهديّ ، بأنّه بئر بنيت عليها قبّة ، لا يصعد منه ولا ينزل إليه ، وكان يدلى إليه في كلّ يوم رغيف وكوز ماء ، وكان من الظلمة بحيث لا يفرّق فيه بين الليل والنهار ، بدليل أنّه كان يؤذن بأوقات الصلاة ، وقد بقي فيه ثلاث عشرة سنة ، فلما أريد إخراجه أدلي إليه حبل شدّ به وسطه ، ثم أخرجوه ، وإذا به قد عمي لطول المدّة التي قضاها في الظلمة ، راجع القصّة 1 / 204 من هذا الكتاب . ( 5 ) الغلّ ، وجمعه أغلال : طوق من الحديد يوضع في اليد أو العنق ، راجع القصّة 161 من هذا الكتاب . ( 6 ) سوق يحيى : محلّة ببغداد ، في الجانب الشرقي ، على دجلة ، راجع حاشية القصّة 245 من هذا الكتاب . ( 7 ) الطائف : العسس . ( 8 ) الشريجة : جديلة من القصب تجعل على أبواب الدكاكين .